هل اقترب لبنان من عتبة التسوية الكبرى؟
ما يُدار اليوم خلف الأبواب المغلقة يتجاوز بكثير منطق التفاوض الظرفي. نحن أمام عملية إعادة تشكيل لمجمل التوازنات الإقليمية، تمتد من التفاهمات غير المعلنة مع طهران، مروراً بترتيبات أمنية جديدة في الخليج، وصولاً إلى الساحة اللبنانية التي تبدو الأكثر تأثراً بهذا التحول. المعطيات المتقاطعة من أكثر من عاصمة تشير إلى أن مسار التسوية دخل مرحلة الحسم، وأن الأداة العسكرية لم تعد احتمالاً بعيداً، بل أصبحت جزءاً من هندسة الحل، بمعنى أن الضغط الميداني هو ما سيفرض شكل الاتفاق السياسي اللاحق، وليس العكس.
لبنان يتعامل مع هذا المشهد من موقع المتلقي الذي يحاول قراءة النتائج قبل إعلانها. ولهذا تكثفت خلال الأسابيع الماضية لقاءات بعيدة عن الإعلام، جمعت شخصيات لبنانية بوسطاء دوليين وعرب في بيروت وباريس والدوحة وواشنطن. جدول الأعمال في تلك اللقاءات لا يتعلق بانتخابات رئاسية أو تشكيلة حكومية، بل بمصير الدولة.
على الصعيد السياسي، النقاش تجاوز اتفاق الطائف كمرجعية صالحة للمرحلة المقبلة. هناك تقييم دولي صريح بأن الصيغة الحالية أنتجت شللاً بنيوياً وسمحت بقيام سلطات موازية أفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها. ما يتم بلورته الآن هو تصور لنظام مختلف يقوم على مركزية القرار السيادي. النقطة المحورية التي تظهر في كل تلك النقاشات تتعلق بالجنوب. التقدير السائد لدى الأطراف المعنية بالملف اللبناني هو أن معالجة ملف الحدود والانسحابات والخروقات المتكررة لن تتم عبر القنوات التقليدية وحدها. هناك قناعة تترسخ بأن أي اتفاق دائم حول الجنوب سيمر عبر تفاهم أوسع مع إسرائيل، بصيغة أمنية سياسية جديدة. الطرح المتداول ليس تطبيعاً بالمعنى الشعبي، بل اتفاق إطار يبدأ بهدنة متقدمة تضمن وقفاً كاملاً للأعمال العدائية، وتثبيتاً نهائياً للحدود البرية، وآلية دولية للمراقبة، مقابل انخراط لبنان في منظومة الترتيبات الأمنية والاقتصادية الجديدة في شرق المتوسط. بهذا المنطق، يصبح التطبيع أداة تفاوضية للحصول على ما عجزت عنه لغة السلاح والبيانات، أي ضمان الانسحاب واستعادة القرار في الجنوب وفتح الباب أمام الاستثمار.
على الصعيد الاقتصادي، التسوية السياسية المرتقبة مقترنة بحزمة دعم، لكنها مشروطة. التقديرات الأولية تتحدث عن استعداد لتمويل خطط اعمار وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح قطاع الكهرباء، وإعادة إعمار الجنوب والبقاع، لكن وفق معادلة واضحة: لا تمويل قبل حسم ملف السيادة الأمنية. الرؤية الاقتصادية المطروحة تهدف إلى تغيير وظيفة لبنان، من اقتصاد قائم على التحويلات والخدمات المصرفية، إلى اقتصاد قائم على الربط الإقليمي. مرفأ بيروت كمركز لوجستي بإدارة دولية، وشبكات الطاقة والتكنولوجيا المالية والشركات الناشئة .
أما اجتماعيًا، فالمعادلة أكثر خطورة. أكثر من 700 ألف نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم حتى تموز، لكن العودة لا تعني بالضرورة استعادة الحياة الطبيعية. فالجنوب ما زال يواجه دمارا واسعا، ومشكلات في المياه والكهرباء والسكن والعمل والخدمات. ولذلك فإن أي تسوية سياسية ستُقاس بقدرتها على إنتاج واقع اجتماعي يسمح للسكان بالعودة والاستقرار.
وفي هذا السياق، فإن اجتماع باريس الأخير له دلالة تتجاوز الدعم العسكري. فالمناقشات تناولت مستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وإمكان قيام بعثة دولية أو أوروبية بديلة، إلى جانب بحث احتياجات الجيش اللبناني استعدادا لمؤتمر مانحين مرتقب. أي أن ترتيبات ما بعد الحرب بدأت تُناقش على مستوى الأمن والتمويل والانتشار الدولي معا.
لهذا تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إعادة تركيب لبنان منها إلى مجرد تسوية حدودية. المسار قد يبدأ من الجنوب، لكنه لن يتوقف عنده: السلاح، شكل الدولة، الاقتصاد، إعادة الإعمار، الاستثمارات الخليجية، ودور الجيش كلها ملفات متداخلة. فأي ثمن سياسي واقتصادي وأمني سيُطلب من لبنان مقابل تثبيت الهدوء، واستعادة الأرض، وفتح باب إعادة الإعمار والاستثمار.. هنا تحديدًا تقع المعركة الفعلية في الغرف المغلقة.
- شارك الخبر:
